الحمد لله القائل {وَلْيَعْفُوا
وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ
رَحِيمٌ} وأشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد:
إن من محاسن الاسلام العفو عمن أساء
والصفح عمن أخطأ والتسامح مع من آذى والتجاوز عمن قهر وقد أمر الله نبيه صلى الله
عليه وسلم بالصفح عن المشركين فقال: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ
يَعْلَمُونَ} [الزخرف:
89] فكيف
بالصفح عن المسلمين هذا أولى.
وغالب هداية الناس الى الاسلام كان بسبب
هذه الصفات الجميلة والأخلاق الراقية التي هجرتها الأمم وتناستها الحضارات وقد كان
عند العرب بقايا هذه الصفات فجاء الاسلام وأتمها فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ
لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ»[1] والمسامحة بين
المسلمين ومع بقية الخلق هي من أهم ما جاء به الاسلام من الأخلاق العالية الراقية.
وقد كان دين الاسلام أكمل الاديان
ورسولنا صلى الله عليه وسلم أكمل الرسل لذلك وصفه الله وصفا ما وصف به رسولا غيره
فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] وكان
من أعظم صفاته الخُلُقية العفو والتسامح وقد علمنا كيف نتسامح بقوله وفعله ولنا
فيه أسوة حسنة من ذلك:
ما جاء عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ
أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ
عَاتِقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ
حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: مُرْ لِي مِنْ مَالِ
اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ «أَمَرَ لَهُ
بِعَطَاءٍ»[2]،
يبتسم عليه الصلاة والسلام بوجه من جفاه وآذاه.
بل إن النبي عليه الصلاة والسلام عفا
عمن أراد قتله من اليهود! فعَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا
فَقِيلَ: أَلاَ نَقْتُلُهَا، قَالَ: «لاَ»، فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"[3].
وقد اتهم النبي صلى الله عليه وسلم من
بعض الجفاة بعدم الانصاف في العطية وتجنب العدل في توزيع المال فصبر وعفى! فعَنْ
عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ،
آثَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنَاسًا فِي القِسْمَةِ،
فَأَعْطَى الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ
مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ العَرَبِ فَآثَرَهُمْ
يَوْمَئِذٍ فِي القِسْمَةِ، قَالَ رَجُلٌ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ القِسْمَةَ مَا
عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ
لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَيْتُهُ،
فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ،
رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ»[4].
وحسن خلقه من العفو والتسامح أثر في
أحبار اليهود أصحاب القلوب القاسية والنفوس الشحيحة حتى أسلم بعضهم، روي (بينما
كان الرسول عليه الصلاة والسلام جالسا بيت أصحابه ، إذ برجل من أحبار اليهود يسمى
زيد بن سعنة ـ وهو من علماء اليهود ـ دخل على الرسول عليه الصلاة والسلام ، واخترق
صفوف أصحابه حتى أتى النبي عليه الصلاة والسلام ، وجذبه من مجامع ثوبه ، وشده شدا
عنيفا. وقال له بغلظة : أوفِ ما عليك من الدين يا محمد ، إنكم يا بني هاشم قوم مطل
ـ أي: تماطلون في أداء الديون ـ . وكان الرسول عليه الصلاة والسلام قد استدان من
هذا اليهودي بعض الدراهم ، ولكن لم يحن موعد أداء الدين بعد ، فقام عمر بن الخطاب
رضي الله عنه ، وهز سيفه ، وقال: ائذن لي بضرب عنقه يا رسول الله ، فقال الرسول
عليه الصلاة والسلام لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: (مره بحسن الطلب ، ومرني بحسن
الأداء) ، فقال اليهودي: والذي بعثك بالحق يا محمد ما جئت لأطلب منك دينا إنما جئت
لأختبر أخلاقك ، فأنا أعلم أن موعد الدين لم يحن بعد ، ولكني قرأت جميع أوصافك في
التوراة فرأيتها كلها متحققة فيك إلا صفة واحدة لم أجربها معك ، وهي أنك حليم عند
الغضب ، وأن شدة الجهالة لا تزيدك إلا حلما ، ولقد رأيتها اليوم فيك ، فأشهد أن لا
إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وأما الدين الذي عندك فقد جعلته صدقة على
فقراء المسلمين.
ومن ذلك ما جاء عَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَاتَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مُحَارِبَ [ص:313] خَصَفَةَ بِنَخْلٍ فَرَأَوْا مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِرَّةً،
فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: غَوْرَثُ بْنُ الْحَارِثِ حَتَّى قَامَ
عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسَّيْفِ،
فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: «اللَّهُ»، قَالَ: فَسَقَطَ السَّيْفُ
مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
السَّيْفَ، فَقَالَ لَهُ: «مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟»، قَالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ،
قَالَ: «تَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي
أُعَاهِدُكَ أَنْ لَا أُقَاتِلَكَ، وَلَا أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ،
قَالَ: فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَجَاءَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: جِئْتُكُمْ مِنْ
عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ"[5].
ومن ذلك أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهَا، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَدَّثَتْهُ
أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ أَتَى
عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ، قَالَ: " لَقَدْ لَقِيتُ
مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ
العَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ
كُلاَلٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ
عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ
فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ
فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ
قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ
لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ فَسَلَّمَ
عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ، ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ
أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ
يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا "[6].
وإن من أعظم الصفات التي تزيل البغضاء
بين المسلمين المسامحة والعفو قال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا
السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ
وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا
الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت:
34، 35] فبالعفو تنقلب البغضاء محبة والعداوة رحمة ولا يستطيعها الا أهل الصبر والحلم.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه،
عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَا نَقَصَتْ
صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ، إِلَّا عِزًّا، وَمَا
تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ»[7].
وعن ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - قال: "حرم على النار كلُّ هَيّن ليّن سهل قريبٍ من الناس"[8].
وعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ
قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ
يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِرًا، فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ
يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ»، قَالَ: " قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:
نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ "[9].
ومن لوازم الأخوة في الله: كظم الغيظ
والتسامح والعفو، يقول الله- تبارك وتعالى-: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ
وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل
عمران:134].
ويقول سبحانه في أصحاب الرسول عليه
الصلاة والسلام: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح:29].
وأمر نبيه بالتسامح والعفو فقال:{خُذِ
الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:
199].
قال ابن القيم رحمه الله: (وفي الصفح
والعفو والحلم: من الحلاوة والطمأنينة والسكينة، وشرف النفس، وعزها ورفعتها عن
تشفيها بالانتقام: ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام)[10].
وذكر ابن كثير عن هارون الرشيد: أنه كلف
خادماً له أن يصب عليه الماء، فصب عليه ماءً حاراً، ثم أطلق الإناء من يده، فوقع
على رأس هارون الرشيد -وهو خليفة- فغضب غضباً شديداً، وقد تغير لونه من الماء
الحار، فقال له الخادم: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} [آل عمران:134] قال: قد كظمت،
قال: {وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ} قال: عفوت عنك، قال: {وَاللَّهُ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ} قال: أعتقتك لوجه الله الحي القيوم.
وقيل لذة العفو أطيب من لذة التشفي. لأن
لذة العفو يلحقها حمد العاقبة ولذة التشفى يلحقها غم الندامة.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله
وصحبه وسلم.
[1] مسند
أحمد مخرجا (14/ 513).
[2] صحيح البخاري (4/ 94).
[3] صحيح البخاري (3/ 163).
[4] صحيح البخاري (4/ 95).
[5] مسند أبي يعلى الموصلي (3/ 312).
[6] صحيح البخاري (4/ 115).
[7] صحيح مسلم (4/ 2001).
[8] مسند أحمد ت شاكر (4/ 92).
[9] صحيح مسلم (3/ 1195).
[10] مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 303).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق